ابن عجيبة

606

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم ذكر كسره الأصنام ، وما ترتب عليه ، فقال : [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 88 إلى 98 ] فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ ( 88 ) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ ( 89 ) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ( 90 ) فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَ لا تَأْكُلُونَ ( 91 ) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ ( 92 ) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ ( 93 ) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ( 94 ) قالَ أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ ( 95 ) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ( 96 ) قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ( 97 ) فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ ( 98 ) يقول الحق جل جلاله : فَنَظَرَ إبراهيم نَظْرَةً فِي النُّجُومِ ، وذلك أن قومه كانوا يتعاطون علم النجوم ، فعاملهم بما يعلمون ؛ لئلا ينكروا عليه تخلّفه . وكانوا يقولون : إذا طلع سهيل مقابل الزهرة سقم من نظر إليه ، فاعتلّ عليهم ؛ لأنه نظر إليه ليتركوه . وذلك أنه كان لهم من الغد عيد ومجمع ، وكانوا يدخلون على أصنامهم ، فيقربون إليها القرابين ، ويضعون بين أيديها الطعام ، قبل خروجهم إلى عيدهم ، لتبارك عليه ، فإذا قدموا أكلوه . فلما نظر إلى النجوم ، قال : إِنِّي سَقِيمٌ ؛ إني مشارف للسقم - وهو الطاعون ، وكان أغلب الأسقام عليهم ، وكانوا يخافون العدوي - ليتفرقوا عنه ، فهربوا منه إلى عيدهم ، وتركوه في بيت الأصنام ، ليس معه أحد ، ففعل بالأصنام ما فعل . قيل : إن علم النجوم كان حقا ثم نسخ الاشتغال به . والكذب حرام إلا إذا عرّض . والذي قاله إبراهيم عليه السّلام معراض من الكلام ، أي : سأسقم ، أو : من في عنقه الموت سقيم ، أو : سقيم مما أرى من مخالفتكم وعبادتكم الأصنام . وعلى كل حال لم يلم إبراهيم بشئ من الكذب ، وإنما عرّض . وأيضا : إنما كان لمصلحة ، وقد أبيح لها ، كالجهاد ونحوه . وفي الحديث : « ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ، ما منها واحدة إلا وهو يناضل عن دينه ؛ لقوله : إِنِّي سَقِيمٌ ، وقوله : فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ « 1 » ، وقوله لسارة : هي أختي » « 2 » . قال السدى : خرج معهم إلى بعض الطريق ، فوقع في نفسه كيده آلهتهم ، فقال : إني سقيم أشتكى رجلي . فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ؛ أعرضوا عنه مولين الأدبار ، فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ ؛ فمال إليها سرّا ، وكانت اثنتين وسبعين صنما من خشب ، وحديد ، ورصاص ، ونحاس ، وفضة ، وذهب ، وكان كبيرهم من ذهب ، في عنقه

--> ( 1 ) من الآية 63 من سورة الأنبياء . ( 2 ) أخرجه بنحوه البخاري في ( أحاديث الأنبياء ، باب : قول اللّه تعالى : وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا ، ح 3358 ) ومسلم في ( الفضائل ، باب من فضائل إبراهيم الخليل عليه السّلام 4 / 1840 ح / 2371 ) من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه .